محمد جمال الدين القاسمي
430
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تجده في هذا الكتاب . وأما الثانية : فالمطلوب إما أعمال الجوارح ، وإما أعمال القلوب ، وهو المسمى بطهارة الأخلاق ، وتزكية النفس . ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب . ثم جرت سنة اللّه تعالى بأن الباحث عنه ، والمتمسك به ، يحصل له عز الدنيا ، وسعادة الآخرة . انتهى . قال الخفاجيّ : وقد شوهد ذلك في كل عصر . مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، أي : من التوراة أو من الكتب التي أنزلت قبله ، في إثبات التوحيد ، والأمر به ، ونفي الشرك ، والنهي عنه . وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ . وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى يعني : مكة . سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا ، وغيرها كالتبع لها ، كما يتبع الفرع الأصل . وفي ذكرها بهذا الاسم ، المنبئ عما ذكر ، إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة . وَمَنْ حَوْلَها من أطراف الأرض ، شرقا وغربا . كما قال في الآية الأخرى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] . وقوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] . وقال : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] . وقال تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 20 ] . و ثبت في الصحيحين « 1 » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ، وذكر منهن : وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر ، حتى يؤمن بالنبيّ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التيمم ، 1 - باب قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ، حديث 231 ونصه : عن جابر أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ . وأحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي . وأعطيت الشفاعة . وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة ، وبعثت للناس عامة » . وأخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 3 .